في الخامس من سبتمبر عبر مبعوثا واشنطن، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بوابة الكرملين، وجلسا مع فلاديمير بوتين نحو ثلاث ساعات، ثم خرجا دون اختراق يُعلَن.كان الظاهر صمتًا، وكان الباطن كلامًا.فقد شكر الوفد الأمريكي موسكو على الإفراج عن المعلم روبرت غيلمان، الذي أمضى في سجونها منذ عام2022، وأوقف الطرفان الروسي والأوكراني ضربات العاصمتين ريثما يُستكمل الحديث. ثم جاء اتصال بين ترامب وبوتين بعد ثلاثة أيام. وفي التاسع والعشرين من الشهر تسرّب ما يجمع هذه الهوامش في نسق واحد: أن جون كوال، مبعوث ترامب إلى بيلاروسيا، عرض على الرئيس أن تُنقل معادلة مينسك إلى موسكو، فيُفرَج عن سجناء سياسيين وتُخفَّف عقوبات وتُفتح أبواب الصفقات، ووافق ترامب على المحاولة، والمشروع ما يزال في مهده.
هكذا صارت العقوبات، التي وُلدت سيفًا، تُعرَض على الطاولة عملةً؛ تُصرَف بقدر ما يُدفَع مقابلها.
مختبر مينسك: ما أثمر وما لم يُثمر
جرّب كوال معادلته في بيلاروسيا أكثر من عام. ففي ديسمبر خرج مائة وثلاثة وعشرون سجينًا، بينهم الحائز على نوبل أليس بيالياتسكي، وخُفّفت العقوبات عن قطاع البوتاس. وفي مارس أُطلق مائتان وخمسون آخرون، ورُفعت العقوبات عن أكبر منتجي البوتاس. والحصيلة في مجموعها نحو خمسمئة سجين، وهي حصيلة إنسانية حقيقية لا يجوز الاستخفاف بها؛ فوراء كل رقم أسرة استعادت أحدها.
غير أن الفصل الأخير أقل بريقًا. ففي منتصف سبتمبر أُفرج عن خمسة وعشرين سجينًا مقابل رفع العقوبات عن شركتين، وهو رقم دون ما وُعد به بكثير. وتقول منظمات حقوقية ومفرَج عنهم إن السلطات تعتقل آخرين لتحلّ محل من أطلقتهم، وينفي ألكسندر لوكاشنكو وجود سجناء سياسيين أصلًا. ثم أعلن ترامب صفقة بوتاس كبيرة، فردّ لوكاشنكو في اليوم نفسه بأن الكمية كلها متعاقَد عليها. أما أوروبا فلم ترفع عقوباتها، ولم تسمح بمرور البوتاس عبر موانئها. هكذا بدت التجربة نصف نجاح ونصف سؤال: فهل يبقى السجين ثمنًا يُدفع مرة، أم يتحول إلى سلعة تُصنَّع لتُباع؟
رهانان لا يلتقيان
خلف المشروع منطقان. منطق البيت الأبيض يقول إن التجارة تخلق الاعتماد المتبادل، والاعتماد يخلق مصالح مشتركة، والمصالح تخفض التوتر حتى يصير السلام أرخص من الحرب. ومنطق كييف، ومعها أغلب العواصم الأوروبية، يقول إن التجارة إيراد، والإيراد موارد، والموارد قدرة على مواصلة القتال؛ وقد لخص الرئيس الأوكراني ذلك بأن من يمنح روسيا مالًا عبر التجارة يمنح الحرب وقتًا.
والمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية تضيف ما يقع بين المنطقين. فهي ترى أن الحرب بلغت جمودًا مؤلمًا لا يفرض فيه أحد إرادته، وأن الخسارة تتوزع على الجميع: أوكرانيا تخسر أرضها وسكانها ومستقبلها، وروسيا تخرج أضعف وأكثر ارتهانًا للصين، وأوروبا تتحمل كلفة لا تحتملها بسهولة، وأمريكا تدفع في الوقود والسياسة. وتخلص إلى أن الغائب ليس المصلحة المشتركة بل الوسيط القادر على الضغط على الطرفين معًا، لا على أحدهما في كل مرة. وتقترح تسوية ملامحها: لا عضوية في حلف الناتو، وباب مفتوح أمام الاتحاد الأوروبي، وجيش أوكراني قادر على الردع، وحدود تُفاوَض. ويردّ خصومها بأن هذا الطرح يحمّل توسع الحلف شيئًا من وزر الغزو، وبأن من حق الدول ذات السيادة ألا يكون لجارتها حق نقض على خياراتها. والفرق بين تفسير السلوك وتبريره فرق لا ينبغي أن يضيع في زحمة الحماسة.
ويبقى سؤال يعلو على الفريقين: من يضمن ألا تستعمل موسكو الهدنة لترميم قوتها ثم تعود؟ ومن يقنع الطرفين بأن واشنطن، وهي أكبر داعمي كييف، وسيط لا خصم؟
اختبار يفصل بين الفرضيتين
الفرق كبير بين قولين: أن تخفيف العقوبات قد يمنح روسيا موارد، وهذا لا جدال فيه؛ وأنه سيطيل الحرب حتمًا، وهذا يحتاج إلى دليل. والفيصل سؤال واحد: هل المال هو القيد الحاكم على المجهود الحربي الروسي؟
الأرقام المتاحة تقول إن المال قيد لكنه ليس القيد الوحيد. فقد رصدت الميزانية للدفاع نحو 12.9 تريليون روبل، أي قرابة 155 مليار دولار، غير أن الإنفاق الفعلي في النصف الأول من العام بلغ نحو 10.7 تريليون، فيما تجاوز العجز في الأشهر الثمانية الأولى 2.5% من الناتج، والهدف السنوي 1.6%. وقد جاءت حرب إيران بمكسب عارض: قفز سعر الخام الروسي من نحو أربعين دولارًا إلى ما فوق السبعين، وتضاعفت في أبريل ضريبة استخراج النفط. ومع ذلك ما زالت عائدات النفط والغاز في الأشهر الثمانية أدنى مما كانت عليه قبل عام، لأن العام بدأ من قاع سحيق. أي أن الكرملين يدور في حلقة ضيقة: إنفاق يسبق الإيراد، وإيراد يلاحق الإنفاق.
فإذا افترضنا، مثالًا لا تنبؤًا، أن التخفيف أضاف ثلاثين مليار دولار سنويًا، فالمهم كم يذهب منها إلى المصانع الحربية، وكم يشتري الروبل الإضافي فعلًا إذا كان القيد الحقيقي هو الجنود أو الرقائق أو الطاقة الإنتاجية. ولهذا يُجرى الاختبار بعد ستة أشهر من أي تخفيف: إذا استُهلك أكثر من نصف الإيراد الجديد في الحرب دون تنازل تفاوضي ملموس، فالمنطق الأوكراني هو الأصح؛ وإذا لم يتجاوز الخُمس وصاحبه تنازل قابل للتحقق، فالمنطق الأمريكي هو الأصح. وما بينهما منطقة رمادية يحسمها السلوك لا الحساب. وهو اختبار قابل للتكذيب، وقيمته أنه يؤجّل الحكم للوقائع بدل أن يصادره الانطباع.
ما الذي تكسبه واشنطن؟ ومن أين يبدأ الجواب؟
يبدأ الجواب من مضيق هرمز لا من كييف. فحرب إيران، التي انطلقت أواخر فبراير، دخلت شهرها السابع. وقد انهارت الهدنة التي وُقّعت في يونيو بعد أسابيع، ورفض ترامب في السادس والعشرين من سبتمبر خطة إيرانية من سبعة أيام لإعادة فتح المضيق، وقال إن السفن تعبره وإنه يمسك بمفاتيحه، بينما تقول طهران إن نظامها الجديد في المضيق لا رجعة عنه، ونقلت صحف أن الرئيس يتوقع حملة قصف جديدة بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر. وفي الجنوب أعلن الحوثيون منذ يوليو حصارًا بحريًا على السفن السعودية، وسيطروا على شريط من ساحل اليمن على البحر الأحمر، وطالت صواريخهم الرياض هذا الأسبوع.
في هذا المناخ تكسب واشنطن من الانفراج مع موسكو ثلاثة أشياء على الأقل. أولها براميل النفط: فكل برميل يعود إلى السوق يخفف صدمة هرمز ويرخي قبضة طهران على أهم أوراقها، ويقلل ثمن البنزين قبل الاقتراع؛ ومن ملك نَفَسًا طويلًا في الاقتصاد ملك صبرًا أطول في التفاوض. وثانيها الانتباه والذخيرة: فالدفاعات الجوية والصواريخ الاعتراضية محدودة، ومن اشتراها لأوكرانيا لا يشتريها لحلفائه في الخليج، ويرى الواقعيون أن نفوذ أمريكا تراجع بسبب الحرب في إيران ونقص الذخائر والعجز المتزايد؛ فالسؤال المشروع: هل تملك واشنطن الأوراق التي يفترضها الوسيط؟ وثالثها أن تحاول تخفيف الدعم الذي تتحدث تقارير عن أن موسكو تقدمه لطهران، وهو رهان مشروط بقدرة على التحقق لم تُختبر.
على أن الحساب ليس كله ربحًا. فروسيا من أكبر المنتفعين من اضطراب الطاقة، ومن ربح من الاضطراب لا يُعوَّل عليه لإنهائه؛ فلا تدخل موسكو الوساطة محايدة، بل صاحبة مصلحة.
العصا والجزرة في يد واحدة
وهنا مفارقة لا تظهر في العناوين. ففي الثامن عشر من سبتمبر وقّع ترامب قانونًا مسمّى باسم السيناتور الراحل ليندسي غراهام، يجيز رسومًا تصل إلى مئة في المئة على أكبر مشتري النفط والغاز الروسيين، ومنهم الصين والهند، ويفرض عقوبات على القيادة الروسية والمصارف وأسطول الناقلات الخفي. وتبدأ التدابير في غضون ثلاثين يومًا، أي قرابة الثامن عشر من أكتوبر، غير أن للرئيس سلطة إعفاء إذا رآه في المصلحة الوطنية.
بهذا تمسك اليد الواحدة السيف والعملة معًا: قانون يشدّ، وإعفاء يرخي. ومفتاح المشهد هو هذا الإعفاء؛ فإن استُعمل مكافأةً مشروطة بخطوات موثقة، صار جزءًا من هندسة تفاوض، وإن استُعمل هبةً بلا مقابل، فُرّغ القانون من مضمونه وصدقت مخاوف كييف.
أين تقف إسرائيل؟
يقف الجواب عند حدود القراءة المصلحية، لا الاتهام. تدخل إسرائيل انتخاباتها في السابع والعشرين من أكتوبر ورئيس وزرائها يواجه امتحانًا عسيرًا؛ وقد رأى كثير من الإسرائيليين في هدنة يونيو صفقة تُبقي إيران قائمة وقدراتها الصاروخية والنووية دون معالجة كافية، وتحفظ نتنياهو عليها علنًا بحذر وسرًّا بقلق، وقال بعد ذلك إنه نصح واشنطن بتشديد الحصار على طهران، وإنه يشك في إمكان صفقة جيدة معها. أن مصلحته تفترق عن مصلحة ترامب في هذه النقطة.
ومن ثم يتوقع، على سبيل التقدير لا الجزم، أن تسعى إسرائيل إلى ثلاثة أمور: ربط أي تخفيف عن موسكو بتقليص ما يصل إلى طهران من عتاد روسي، وتعميق التنسيق مع الخليج ضد الحوثيين وإيران، وإبقاء يدها على خيار التصعيد إن بدت تسوية أمريكية إيرانية تراها ناقصة. وتقابل هذه القراءةَ اعتبارات: فإسرائيل تدفع الكلفة كاملة من دمها واقتصادها وجبهتها الداخلية، ومؤسستها الأمنية لا تقرأ الاستنزاف قراءة واحدة، وتحتفظ بقناة اتصال مع موسكو حرصت عليها سنوات. ثم إن الاستنزاف يفيد أطرافًا شتى؛ طهران تحوّله أوراقًا، والحوثيون يبنون بها مكانتهم، وموسكو تجني منه إيرادًا. فما من طرف وحده يملك مفتاح الخروج، وكل طرف يملك قفلًا من أقفاله.
أربعة مسارات محتملة
الأرجح أن تستمر الحال الراهنة: حرب أخف حرارة في أوكرانيا، وحوار يغطي صفقات صغيرة من سجناء وسلع، واستنزاف في الخليج تحت سقف لا يبلغ الانفجار. ويليه مسار تجميد مُدار، يفتح فيه وقف جزئي للنار بابًا لتطبيع اقتصادي تدريجي يبدأ بالأسمدة والحبوب والطاقة. ودونهما مسار ارتداد، تتصلب فيه موسكو أو تنكشف صفقة، فيُطبق القانون بحدته. وأضعفها تسوية شاملة تلتقي فيها أوكرانيا وهرمز والبحر الأحمر، لأنها تشترط تزامن ما لا يتزامن: رغبة بوتين، وصبر طهران، وحسابات إسرائيل، وثقة أوروبا.
تخفيفٌ بالمراحل وارتدادٌ عند الإخلال: صيغة الخروج الممكنة
بين التجارة مكافأةً والتجارة نافذة مفتوحة، صيغة ثالثة أقل شاعرية وأكثر صرامة: تخفيف متدرج، مشروط، قابل للارتداد. يبدأ بما لا يمس القدرة الحربية، كالأسمدة والحبوب والطاقة الموجهة لأسواق ضربها اضطراب هرمز، وتُستبعد السلع مزدوجة الاستخدام والتقنيات الحساسة. ويُقسَّم على مراحل، كل مرحلة رهن خطوة موثقة: وقف للنار، ثم ترتيبات على خطوط محددة، ثم ضمانات أمنية تقبلها كييف. وتُودَع حصة من العائد الإضافي في حساب ضمان لإعمار المتضرر، فيصير المال جزءًا من ثمن السلام لا من ثمن الحرب. ويُقرن ذلك ببند ارتداد آلي يعيد العقوبات كاملة عند الإخلال. ومن كان في يده أدوات عقابية لا تملكها واشنطن، أي أوروبا، يتولى التحقق ويشارك في الصفقة بدل أن يتلقاها. وفي شقّ السجناء تكون القوائم مسمّاة يُتحقق منها، فلا يتحول الإفراج إلى دوّار.
وتبقى المفارقة التي تحكم المشهد: أن بوتين لا يحتاج إلى أن ينتصر، يكفيه ألا يخسر؛ وأن ترامب لا يحتاج إلى أن ينتصر في هرمز، يكفيه ألا يبدو منهزمًا قبل نوفمبر. وبين رجلين يكفي كلًّا منهما ألا يخسر، تعيش الحروب طويلًا.
