في مساء السادس من سبتمبر، أضاءت الشاشة الزرقاء في ولاية سكسونيا-أنهالت الشرقية اسماً واحداً بحروف كبيرة: حزب البديل من أجل ألمانيا. لم يكن فوزاً عابراً بل انكساراً في جدار بُني عمداً منذ 1945: ألمانيا التي عزلت اليمين المتطرف بقوة القانون والذاكرة، صار حزبها الأكثر تشدداً يتصدر استطلاعات الرأي الوطنية، وتلوح أمامه أغلبيات مطلقة في ولايات شرقية لم تعرفها حتى الأحزاب التقليدية الكبرى.

وعلى بعد بضع مئات من الكيلومترات، تتصدر مارين لوبان استطلاعات الجولة الثانية في فرنسا قبل انتخابات الربيع، وفي بريطانيا يقود حزب "ريفورم" استطلاعات وطنية متتالية، وفي إيطاليا تحكم جورجيا ميلوني أطول حكومة في تاريخ الجمهورية، بينما ينتظرها منافس أشد يمينية منها. ثلاث بلدان، ثلاثة مواعيد انتخابية مختلفة، وحسبة واحدة تتكرر: مركز سياسي أوروبي أنهكته عقود من نفس الوعود، وناخب لم يعد يصدقها.

السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس "لماذا يصعد اليمين المتطرف؟" - فهذا سؤال يجيب عليه أي محلل بجملة جاهزة عن "الهجرة والهوية". السؤال الأدق هو: من الذي يغذّي هذا الحريق فعلياً، وهل يدرك كل طرف أنه يوقد ناراً سيحصد غيره دفأها؟

أربعة روافد تصب في نهر واحد

لا يوجد سبب واحد يفسّر ما يجري من برلين إلى باريس إلى وارسو. الأدق أن نرى أربعة تيارات منفصلة الجذور، متقاطعة النتيجة، يغذّي كل منها الآخر دون أن يقصد.

الأول اقتصادي بحت. حكومات المركز الأوروبي تواجه ما وصفه محلل متخصص بأوروبا بأنه نسخة من "فشل الدولة المتطور": أنظمة سياسية متماسكة شكلياً، عاجزة فعلياً عن الاستجابة لغلاء المعيشة والبطالة. في ألمانيا صوّت الناخب لحزب البديل بضعف أصوات حزب المستشار المحافظ، وسط تضخم وركود صناعي. في فرنسا، عجزت الحكومة عن تمرير موازنة لعامين متتاليين لأول مرة في تاريخ الجمهورية الخامسة. وفي بريطانيا، أنتجت انتخابات 2024 أدنى حصة تصويت مجمعة لحزبي العمال والمحافظين منذ أكثر من قرن. المركز لا ينهار بضربة واحدة، بل بتراكم إخفاقات يعيد كل واحد منها تأكيد سردية واحدة: لا أحد من الداخل قادر على الإصلاح.

الثاني خوارزمي، ويخص الجيل الصاعد تحديداً. لم يعد اليمين المتطرف يحتاج إلى مهرجانات وخطب لاستقطاب الشباب؛ يكفيه تطبيق واحد يعمل بلا كلل. دراسات أكاديمية ألمانية رصدت علاقة إيجابية بين استخدام تيك توك والتصويت لحزب البديل بين الناخبين الشباب، حيث بات الحزب وبيئته السياسية يصلان إلى عدد كبير بشكل خاص من المستخدمين على المنصة. وقبيل الانتخابات الفدرالية الألمانية الأخيرة، رصدت دراسة أن قرابة ثلاثة أرباع المحتوى الحزبي الذي تدفعه خوارزميات تيك توك ومنصة إكس لمستخدمين ألمان كان لصالح الحزب الأكثر تشدداً، رغم أنه كان لا يزال يحصل على نسبة أقل بكثير من ذلك في صناديق الاقتراع وقتها. الخوارزمية لا تحمل أيديولوجيا، لكنها تكافئ الغضب والاستقطاب لأنهما ببساطة يُبقيان المستخدم أطول أمام الشاشة وهذا بالضبط ما حذّر منه تقرير المخاطر العالمية لعام 2026 حين تحدث عن أن نماذج الأعمال القائمة على "الإدمان بالتصميم" تتحول من مشكلة تسويقية إلى مشكلة سياسية.

الثالث روسي، ومتعمّد بالكامل. لا يكتفي الكرملين بمراقبة صعود اليمين المتطرف الأوروبي، بل يستثمر فيه مباشرة. تقارير استخباراتية غربية تتحدث عن حملات تضليل روسية منظمة تستهدف تحديداً الانتخابات الألمانية لتعزيز نتائج حزب البديل، إلى جانب انتخابات في بلغاريا وسلوفينيا والمجر. هذا يحدث بالتوازي مع حرب هجينة أوسع: مسيّرات فوق مطارات أوروبية، تخريب كابلات بحرية، واختراقات مجال جوي في دول البلطيق وبولندا. المنطق الروسي بسيط: أوروبا موحدة وقوية عقبة أمام موسكو في أوكرانيا، وأوروبا مفتتة يحكمها قوميون متشككون بالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو هي أفضل ما يمكن أن يحصل عليه بوتين دون إطلاق رصاصة واحدة على الجبهة الغربية.

الرابع أميركي، وهو الأكثر إثارة للجدل لأنه يأتي من الحليف لا الخصم. إدارة ترامب لا تخفي أنها تفضّل أوروبا مجزأة على أوروبا موحدة، وتساند علناً القوى اليمينية القادرة على تفكيكها من الداخل. هذا لا يعني أن واشنطن "صنعت" اليمين المتطرف الأوروبي فجذوره أعمق وأقدم من أي إدارة أميركية لكنه يعني أن الرياح الدولية، بدل أن تقاوم الموجة، باتت تدفعها. وحين يرى الناخب الأوروبي أن حليفه التاريخي وراء الأطلسي يراهن ضد حكومته، يزداد اقتناعه بأن لا أحد - لا الداخل ولا الخارج - يقف مع الوضع القائم.

وخيط خامس، أشد التباساً من البقية

ثمة تيار خامس لا يمكن تجاهله، لكنه يحتاج إلى دقة أكبر من البقية: الانقسام الأوروبي حول غزة.

استطلاعات أوروبية متكررة منذ 2023 تُظهر تراجعاً حاداً وغير مسبوق في التأييد الشعبي لإسرائيل عبر القارة، وصل في بعض الدول الكبرى إلى أدنى مستوياته منذ بدء القياس، فيما يرى جزء كبير من الأوروبيين أن الحرب على غزة تتمثل بقتل مدنيين واطفال بأعداد كبيرة. الأهم من الرقم نفسه هو أثره على الثقة بالمؤسسات: مئات آلاف المتظاهرين في شوارع لندن وبرلين وباريس لم يخرجوا فقط غضباً على تل أبيب، بل غضباً على حكوماتهم التي رأوها متواطئة أو صامتة رغم ادعائها الدائم بحماية "النظام الدولي القائم على القواعد الانسانية". وهذا الغضب لا يصب في اتجاه واحد. جزء منه غذّى اليسار الراديكالي - كما ظهر في تصدر جان لوك ميلانشون لبعض استطلاعات الجولة الأولى الفرنسية. لكن جزءاً آخر، وهو الأخطر، غذّى القوميين اليمينيين أنفسهم، الذين يقدمون أنفسهم كبديل "غير منافق" لنخبة سياسية يتهمونها بازدواجية المعايير: تتحدث عن حقوق الإنسان في أوكرانيا وتصمت عنها في غزة. لا يحتاج المرء إلى تبني أي موقف من الصراع نفسه ليلاحظ هذه الحقيقة البنيوية: كل أزمة تكشف فجوة بين خطاب الحكومات الأوروبية وسلوكها الفعلي تصبح وقوداً إضافياً لمن يقول إن النظام كله واجهة فارغة. وهذا بالضبط ما يجعل الملف الفلسطيني، رغم بعده الجغرافي، عاملاً داخلياً في السياسة الأوروبية لا خارجياً.

الصين تحصد من حيث لا تقصد

يضاف إلى هذا كله عامل أقل حضوراً في النقاش اليومي لكنه لا يقل وزناً: الصين تُغرق الأسواق الأوروبية بفائض صادراتها الصناعية بعد أن عجزت عن تصريفه محلياً، في وقت تتعثر فيه أوروبا بالفعل في السباق على التكنولوجيا النظيفة والبطاريات والسيارات الكهربائية التي باتت بكين تهيمن عليها بأغلبية ساحقة. النتيجة مزدوجة: تراجع تنافسية الصناعة الأوروبية من جهة، وتضخم مستورد من جهة أخرى يضاف إلى فاتورة الطاقة والغذاء التي يدفعها الناخب الأوروبي العادي. حين يفقد عامل المصنع الألماني أو الفرنسي وظيفته لصالح منافس صيني أرخص، فإن آخر ما يشغله هو نظرية اقتصادية عن "إعادة الهيكلة العالمية للتجارة" ما يشغله هو من يعده بحمايته، وغالباً ما يكون الوعد الأصدق ظاهرياً هو وعد القومي لا وعد التكنوقراطي.

حين يتحول الغضب إلى مدفعية

ثمة بعد سادس لا يظهر في صناديق الاقتراع مباشرة، لكنه ينمو في موازناتها الدفاعية: أوروبا لا تكتفي بالتصويت غضباً، بل بدأت تتسلح خوفاً.

المشهد الذي غيّر الحسابات وقع في 28 فبراير 2025، حين وجد الرئيس الأوكراني نفسه يتلقى توبيخاً علنياً من ترامب ونائبه أمام كاميرات العالم في المكتب البيضاوي. لم تكن اللحظة عن أوكرانيا وحدها؛ كانت رسالة لكل عاصمة أوروبية: الحليف الذي بنيت عليه مظلة الأمن منذ 1945 قد يتخلى عنك علناً، وقد يُهينك وأنت تطلب حمايته. القادة الأوروبيون أنفسهم قرأوا الرسالة بهذا الوضوح، حتى إن رئيس الوزراء الفرنسي وصف المشهد بأنه استعراض "وحشية" يستهدف إذلال أوكرانيا لإجبارها على القبول بشروط موسكو. وحين عاد زيلينسكي إلى واشنطن بعد أشهر، لم يذهب وحده، بل اصطحب معه قادة أوروبا كاملين خشية تكرار المشهد وهو بحد ذاته اعتراف ضمني بأن الثقة انكسرت.

النتيجة ظهرت بسرعة في استطلاعات الرأي: بحلول نوفمبر 2025 لم يعد يرى أميركا كحليف سوى قرابة سدس الأوروبيين المستطلعين، بعد أن كانت النسبة أعلى بكثير قبل أشهر قليلة فقط، بينما ارتفعت نسبة من يعتبرونها "منافساً" أو "خصماً" إلى ما يقارب الثلث في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا. لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، لا ينظر جزء متنام من الرأي العام الأوروبي إلى واشنطن كمنقذ، بل كطرف لم يعد يمكن الوثوق بوعوده.

وترجم هذا نفسه إلى أرقام حقيقية في الموازنات. ألمانيا وافقت على خطة تسلح تفوق قيمتها 80 مليار يورو للعام المقبل وحده، لكن المفارقة أن أكثر من تسعة أعشار هذا المبلغ سيذهب للصناعة الأوروبية لا الأميركية - عكس عقد كامل كانت فيه ألمانيا من أكبر زبائن السلاح الأميركي. وتشمل الخطة مدمرات بحرية جديدة، ودفعة كبيرة من مقاتلات "يوروفايتر"، إلى جانب برامج تصنيع دبابات ومدرعات موسعة. أما فرنسا، فتخرج من أزمة صامتة: أسطولها من مقاتلات رافال تراجع في السنوات الأخيرة إلى أدنى مستوى له منذ نهاية الحرب الباردة، بعدما باعت باريس عشرات الطائرات المستعملة لليونان وكرواتيا وأهدت عدداً من مقاتلات ميراج لأوكرانيا، حتى أقر وزير الدفاع السابق بوجود نقص يصل إلى ثلاثين طائرة عن الحد المطلوب لتغطية الالتزامات العملياتية. اليوم تعمل باريس على إعادة بناء هذا الأسطول من جديد، وسط خلاف مكشوف مع برلين حول حصص الإنتاج في مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة للجيل السادس.

وهذا بالضبط ما يجعل اللحظة خطيرة لا مطمئنة: قارة تعيد التسلح وسط انقسام سياسي داخلي حاد، بينما حرب هجينة روسية، مسيّرات فوق مطارات، وتخريب كابلات، واختراقات مجال جوي. تتصاعد فعلياً على حدودها الشرقية، بحسب ما رصده تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، والذي حذّر من أن الناتو نفسه، بعد سنوات من امتصاص الاستفزازات، بدأ يميل لأول مرة نحو الرد بدل الصمت. حين يجتمع جيش يعاد بناؤه على عجل، مع تحالف يفقد ثقته بقائده التقليدي، مع خصم يراهن على أن لا أحد سيرد على استفزازاته، يضيق هامش الخطأ الذي يفصل "الحادثة" عن "الحرب".

لكن يجب الحذر من قراءة هذا كقدر محتوم أيضاً. ثمة مفارقة رصدها باحثون متخصصون بالشأن الأوروبي تستحق التوقف: من فقدوا ثقتهم بأميركا كلياً واعتبروها "خصماً" ليسوا بالضرورة الأكثر حماساً لدفع فاتورة الاستقلال الدفاعي الأوروبي؛ فئات واسعة منهم هي نفسها الناخبة لأحزاب اليمين المتطرف المتشككة أصلاً بالإنفاق العسكري وبالاتحاد الأوروبي ذاته. والأكثر إيماناً بإعادة التسلح ما زالوا، في المقابل، من يعتقدون أن حلف الناتو يمكن إنقاذه لا استبداله. بعبارة أخرى: الغضب من واشنطن لم يتحول تلقائياً إلى إجماع أوروبي حول كيفية الرد عليه، وهذا التشتت نفسه قد يكون كابحاً للتصعيد بقدر ما هو خطر بحد ذاته فأوروبا مسلحة لكن غير موحدة القرار قد تكون أخطر من أوروبا ضعيفة، لكنها أيضاً أقل قدرة على المبادرة بحرب من تلقاء نفسها.

اعتراضان يستحقان الوقوف عندهما

الاعتراض الأول: أليس صعود اليمين المتطرف قدراً محتوماً لا يمكن إيقافه؟ الجواب لا. المجر نفسها أطاحت في أبريل الماضي بفيكتور أوربان بعد 16 عاماً في الحكم، بسبب فساد متراكم وإدارة اقتصادية فاشلة, أي أن نفس الأسباب التي تصعد باليمين المتطرف قادرة على إسقاطه حين يفشل هو بدوره في الحكم. اليمين المتطرف ليس حصيناً؛ إنه فقط أكثر إقناعاً حالياً من بديله.

الاعتراض الثاني: أليس مبالغة الحديث عن "رهان أميركي" ضد أوروبا الموحدة؟ هذا اعتراض معقول جزئياً، فواشنطن لم تصنع الأزمة الأوروبية، وهي أعمق من أي سياسة خارجية أميركية بعينها. لكن الفارق بين إدارة سابقة كانت تعتبر أوروبا الموحدة أصلاً استراتيجياً، وإدارة حالية ترى في تفككها فرصة، ليس فارقاً هامشياً, إنه فارق في اتجاه الريح نفسها.

ثلاث محطات: اثنتان وقعتا فعلاً، وواحدة تنتظر

في مايو، أعطت الانتخابات المحلية البريطانية أول إجابة: حزب "ريفورم" لم يكتف بالبقاء على قمة الاستطلاعات، بل ترجم ذلك إلى واقع, أفضل نتيجة له تاريخياً بنسبة تقارب 28% من الأصوات المكافئة وطنياً، وسيطرة مباشرة على أكثر من عشرة مجالس محلية، فيما واصل حزب العمال انحداره إلى مرتبة ثالثة خلف المحافظين. السؤال لم يعد "هل يمكن أن يترجم ريفورم صعوده الاستطلاعي إلى مقاعد؟" الجواب صار نعم موثقاً، والسؤال الحقيقي بات موعد الانتخابات العامة القادمة.

وفي ألمانيا، لم تتوقف الموجة عند سكسونيا - أنهالت. فبعد أسبوعين فقط، في 20 سبتمبر، صوّتت ولاية مكلنبورغ -فوربومرن الشمالية، وفاز فيها حزب البديل بالمرتبة الأولى بنسبة تجاوزت 38%، أكثر من ضعف نتيجته قبل خمس سنوات ليصبح الحزب الأكثر تشدداً أكبر كتلة في ثالث برلمان ولائي ألماني خلال أقل من عقد. الأخطر من فوزه نفسه أن الحزب المسيحي الديمقراطي، عماد "الجدار الصحي" العازل لليمين المتطرف على مدى عقود، خرج بالكامل من برلمان الولاية بعدما تراجع إلى ما دون عتبة الخمسة بالمئة لأول مرة في تاريخه هناك. حين يختفي الحزب المكلّف تاريخياً بإقامة الجدار من المشهد كلياً، يصبح السؤال عمن سيقيمه بدلاً منه سؤالاً بلا إجابة جاهزة رغم أن الاشتراكيين الديمقراطيين ما زالوا قادرين حتى الآن على تشكيل ائتلاف حاكم مع اليسار والخضر بأغلبية ضئيلة.

يبقى الاختبار الأكبر أمامنا: الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع العام المقبل، حيث قد يشهد العالم لأول مرة رئيس وزراء فرنسي من حزب لوبان، منهياً عقوداً من "الجدار المضاد للفاشية" الذي ساد أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وبينما تتجه الأنظار إلى باريس، يبقى السؤال الذي طرحته النتائج الألمانية والبريطانية بالفعل معلقاً بلا جواب: هل ما زال هذا الجدار قائماً بالفعل في أي مكان بالقارة، أم أنه صار يتساقط ولاية تلو أخرى قبل أن يسقط أخيراً في أكبر عواصمها؟

في كل هذه المحطات، لن يكون اليمين المتطرف نفسه من صنع الفرصة بالكامل. صنعها اقتصاد راكد، وخوارزمية لا تميز بين الحقيقة والغضب، وجارٌ شرقي يستثمر في الفوضى، وحليفٌ غربي يراهن على التفكك، وانقسامٌ حول حرب بعيدة يكشف نفاقاً قريباً. كل طرف من هؤلاء يعتقد أنه يخدم مصلحته الخاصة فموسكو تريد ناتو أضعف، و واشنطن تريد أوروبا أكثر طواعية، والخوارزمية تريد فقط مستخدماً لا يغلق التطبيق ولكن الجميع، دون تنسيق، يصبون في نهر واحد يصل مصبه إلى صندوق اقتراع واحد.

يقال في التاريخ الأوروبي إن أضعف الجمهوريات لم تسقط بانقلاب مفاجئ، بل بتآكل بطيء جعل سقوطها يبدو، حين وقع أخيراً، وكأنه كان الخيار الوحيد المتبقي. القارة اليوم لا تعيد كتابة تلك القصة حرفياً، لكنها تستعير منها الإيقاع نفسه: لا حريق واحد كبير، بل جمرات متفرقة، كل واحدة منها بريئة الظاهر، مجتمعة تكفي لإشعال قارة بأكملها. والمفارقة الأخيرة أن من أشعل كل جمرة على حدة - سواء كان بوتين في موسكو، أو خوارزمية في كاليفورنيا، أو مزارعاً غاضباً في سكسونيا - نادراً ما يكون هو من سيجلس في النهاية على مقعد السلطة الذي أشعلته ناره.