في صباح 19 سبتمبر، ارتفع عمود دخان أسود من مستودع الوقود قرب مطار الملك خالد في الرياض. وأعلن الحوثيون أنهم أصابوا «مواقع حساسة» في العاصمة السعودية ومنشآت لأرامكو في ينبع. وفي اليوم التالي خرج محسن رضائي، أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني، ليقول إن طهران سلّمت واشنطن عبر الوساطة القطرية 7 شروط لبدء أي تفاوض، وإنها جاهزة لحرب حاسمة إن رُفضت. حدثان لعنوان واحد. الأول يرفع كلفة الحرب على من لم يشعلها، والثاني يخاطب واشنطن بلغة المنتصر. وبينهما يقف الطرف الوحيد الذي لا يحتاج إلى إطلاق رصاصة ليربح: إسرائيل.
حربٌ تسقط ذخيرتها في الجوار
بدأت الحرب في 28 فبراير بضربات أميركية إسرائيلية قتلت المرشد علي خامنئي وعدداً كبيراً من قادة النظام. وكان المتوقع أن يتجه الرد إلى من بدأ، لكن الأرقام قالت غير ذلك. ففي أسابيع الحرب الأولى أطلقت إيران ما يزيد على 5,300 صاروخ ومسيّرة، لم يبلغ إسرائيل منها إلا 930، أي 17%، وذهب الباقي، أي 83%، إلى دول الخليج. وكانت الإمارات الأكثر إصابة بأكثر من 2,000 صاروخ ومسيّرة، ثم الكويت فالسعودية فالبحرين فقطر. والسبب أن الخليج يستضيف القواعد الأميركية، واقتصاده من زجاج، وضربة على مصفاة أو ميناء أو مطار تُسمع في أسواق الطاقة قبل أن تُسمع في العواصم. أما إسرائيل فتحتمي بأكثف شبكة دفاع جوي في الإقليم. اختارت طهران أن تُوجع حيث يتألم العالم، فصار الجيران أقصر طريق إلى واشنطن. وبقي سؤال بلا جواب في حساباتها: من يدفع ثمن هذه الحرب، ومن يقبضه؟
سلسلة الكلفة
في كل حرب كبرى قاعدة لا يعلنها أحد: كل طرف يحاول أن يدفع ثمنها بعملة غيره. وما يجري اليوم مثال نموذجي عليها. تدفع إيران بذخيرتها على أرض الخليج، فيدفع الخليج بنفطه وموانئه ومطاراته، ويدفع الناخب الأميركي عند مضخة الوقود، ويحاول البيت الأبيض أن يعيد الفاتورة إلى طهران بالقصف. وثمة حلقة واحدة في هذه السلسلة لا تدفع شيئاً تقريباً، وتحوّل ما يدفعه الآخرون إلى أرض وقواعد ونفوذ.
ثلاثة مفاهيم قديمة تفسر هذا المشهد أفضل من أي نظرية مؤامرة. الأول تمرير العبء: تترك القوى عبء المواجهة لغيرها ما استطاعت، فواشنطن تبيع ولا تقاتل، والرياض تنتظر واشنطن، وطهران تدفع الحوثيين والفصائل العراقية إلى الواجهة. والثاني الاستنزاف المتبادل: الدولة التي تبقى خارج النار وتترك خصومها ينزفون بعضهم بعضاً تخرج أقوى دون أن تنتصر، ويكفيها أن تحسن الجلوس على الحافة. والثالث توازن التهديد: الدول لا تتحالف ضد الأقوى، بل ضد الأخطر عليها والأقرب والأشد عدوانية. وعاصمة خليجية سقطت المسيّرات على أسقفها لن تزن الخطر الإسرائيلي بميزان الاحتلال في فلسطين، بل بميزان ما احترق عندها هذا الأسبوع.
ومن هنا المفارقة التي لا يريد أحد في طهران أن يسمعها: أنجح مجنِّد للخليج في المحور الإسرائيلي الإماراتي ليس ضغطاً أميركياً ولا إغراءً إسرائيلياً، بل السلوك الإيراني نفسه. من يقصف جاره لا يستغرب أن يستنجد الجار بمن يبيعه المظلة.
تفاوضٌ بالنار
توقفت الحرب بهدنة في أبريل برعاية باكستانية، ثم انهارت، وأُعيد في يوليو فرض الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية. ومنذ ذلك الحين تعمل طهران بمنطق واضح: تمسك بهرمز مباشرة، وتمسك بباب المندب بالوكالة. هرمز كان يعبره 20% من تجارة النفط العالمية، وباب المندب يعبره نحو 7%.
في 20 يوليو أعلن الحوثيون حصاراً على الموانئ والسفن السعودية، وتعرضت ناقلات المملكة قبالة ينبع لصواريخهم. ثم أغلقت مسيّرات أطلقتها فصائل عراقية خط الأنابيب الذي كان ينقل أكثر من 4 ملايين برميل يومياً إلى البحر الأحمر. وتقدم الحوثيون على الساحل الغربي حتى سيطروا على معظمه، وبلغوا في 11 سبتمبر جزيرة ميون في قلب المضيق. ونزح أكثر من 112,000 يمني، وتجاوز سعر البرميل 100 دولار.
وانظر إلى الوجهة التي تتخذها الصواريخ. فمنذ إعلان الحصار تركزت ضربات الحوثيين على السعودية، لا على حاملة طائرات أميركية ولا على ميناء إسرائيلي. والرسالة لا تحتاج إلى مترجم: الصاروخ الحقيقي الموجه إلى واشنطن هو سعر الوقود في محطات أميركا، وأقصر طرق طهران إلى مكتب الرئيس يمر عبر مضخة البنزين.
ثم تأتي الشروط. وقف الحرب على كل الجبهات وفي مقدمتها لبنان، والإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع الحصار البحري، وإنهاء التدخل الأميركي في الشأن الإيراني والتعاون مع "خصوم الثورة"، ووقف أي هجوم على الأراضي الإيرانية. ويعلن محمد باقر قاليباف أن هرمز يبقى مغلقاً حتى تفي واشنطن بالتزاماتها.
دافع طهران مفهوم. خسرت جزءاً كبيراً من محورها، ويستعيد الأميركيون تدريجياً تدفق النفط عبر هرمز، فتفتش عن ورقة تعوّض ما تسرّب من يدها. الخلل في السقف لا في الدافع. ثمة فرق بين مفاوض يرفع سعره ليجلس، ومفاوض يرفعه حتى لا يجلس أحد. وشروط تُقرأ في واشنطن كبنود استسلام، تُوجَّه إلى رئيس يعرف أن أي تنازل قبل الانتخابات سيُكتب في حملة خصومه هزيمة، لا تفتح باباً بل تضع قفلاً.
رئيسٌ لا يملك ما يخسره
في 3 نوفمبر يقترع الأميركيون في انتخابات نصفية تتجه، بحسب أغلب المؤشرات، إلى معاقبة الجمهوريين. الحرب لا تحظى بشعبية، وسعر الغالون تجاوز 4 دولارات في مستوى غير مسبوق لهذا الموسم، والتململ بدأ داخل القاعدة الجمهورية نفسها. وقد ربط ترامب نهاية الحرب بما بعد الانتخابات، كأنه يقول إن أوراق طهران المضبوطة على ساعة الناخب تفقد قيمتها في اليوم التالي.
وهنا المفارقة. يبدو أن الحوثيين يضبطون ضرباتهم على توقيت الانتخابات الأميركية ليرفعوا الكلفة على ترامب، لكن الساعة ذاتها قد تدور عليهم. فالسياسي الذي يتألم من سعر الوقود قبل الاقتراع قد لا يبالي به بعده. ورئيس خسر مجلس النواب لن يخشى بعد ذلك غضب دائرة انتخابية ولا نائباً يريد إعادة انتخابه، وهو الذي لوّح غير مرة بضربة تستهدف رأس النظام الإيراني، بينما تتحدث تقارير عن تحذيرات سرية من كبار مستشاريه، بينهم نائبه ووزير خارجيته، بأن الصراع قد يمتد إلى نهاية ولايته. هذا لا يجعل الحرب المفتوحة قدراً محتوماً، لكنه يعني سقوط القيد الأثقل على قرار التصعيد، وهو الخوف من صناديق الاقتراع. وقبل ذلك بأسبوع، في 27 أكتوبر، يذهب الإسرائيليون إلى صناديقهم. يخوض نتنياهو الانتخابات بائتلاف متعب أمام منافسين مثل غادي آيزنكوت وتحالف بينيت ولابيد. انتخابان يحيطان بمرحلة واحدة، وفي حملة كهذه يظل الخطر الخارجي أنفع العناوين لمن في الحكم.
الرابح الذي لا يطلق النار
لا تحتاج إسرائيل إلى هزيمة إيران ولا الحوثيين. تحتاج إلى أن يبقوا حيث هم: قوة تكفي لإبقاء النار مشتعلة، وأضعف من أن تقلب الطاولة. والعدو الذي لا يسقط ولا ينتصر هو أفضل الأعداء لمن يريد التفرغ لساحة أخرى. وقد بدأت الحصيلة تتضح. في الشمال تحتل قوات إسرائيلية جنوب لبنان منذ مارس. وفي البحر اعترفت إسرائيل في 26 ديسمبر 2025 بإقليم انفصالي في القرن الأفريقي يطل على خليج عدن، وكانت أول دولة تفعل. وتتحدث تقارير عن حضور استخباري إسرائيلي على تلك الضفة، وعن نشاط مشترك مع الإمارات في جزر خليج عدن. أي أنها تبني على الضفة الأخرى من باب المندب موطئ قدم في الممر الذي يتنازعه الحوثيون والسعوديون.
وفي فلسطين تتسع الخريطة بصمت. تقدّر جهات حقوقية أن ما تسيطر عليه إسرائيل من غزة بلغ نحو 64%، مقابل 53% نص عليها وقف إطلاق النار في أكتوبر. وأقرت حكومتها في مارس 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، ودُشّنت 3 منها في مطلع سبتمبر، بالتوازي مع أوامر مصادرة تطال مناطق مصنفة «أ» في جنين. وتفيد تقارير إسرائيلية بأن واشنطن منعت عملية برية أوسع في غزة، فاختارت الحكومة الضم الزاحف بديلاً. وحين تتجه العيون كلها إلى مضيقين وحقول نفط ومطارات، يصير قرار مصادرة أرض في جنين خبراً في الهامش. هذا هو معنى "الانفراد بفلسطين": لا ضربة واحدة كبيرة، بل آلاف القضمات الصغيرة في زمن انشغال الجميع.
غير أن الحساب ليس بلا ثمن. ففي 8 سبتمبر أعلنت 12 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، قيوداً على منتجات المستوطنات، وردّت إسرائيل بمهلة 30 يوماً لإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية. الفرصة إذاً ليست بلا أجل، وهذا ما يجعل استعجالها مفهوماً.
الرياض عند مفترق الطرق
لم يكن الزحف الحوثي على الساحل قراراً إيرانياً خالصاً. الرياض ترى في القرن الأفريقي وجزر خليج عدن وجنوب اليمن حلقة تضيق حولها، تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والإماراتية. وقد بنت في المقابل محوراً موازياً يضم تركيا وباكستان وقطر ومصر ويستثني أبوظبي، ووقّعت في 7 أغسطس اتفاق دفاع مشترك مع أنقرة وإسلام آباد. والحوثي يقرأ المشهد من الزاوية المعاكسة: من يمسك الساحل الغربي اليوم يمنع غداً قاعدة إسرائيلية أو إماراتية من الإطلال على المضيق. فاندفاعته خدمت طهران، لكنها جاءت أيضاً استباقاً لتحويل ساحته إلى ساحة دولية.
وفي الميدان تبدو الصورة قاسية على الرياض. تتحدث تقارير عن أن ما يصل إلى 80% من المقاتلين المحسوبين على القوات المدعومة سعودياً أسماء على كشوف الرواتب، وعن اختراق حوثي لاتصالات التحالف، ونقص في صواريخ الاعتراض. وتتفرج واشنطن من مقعد المتفرج، رغم موافقتها المبدئية على بيع مقاتلات إف-35 للرياض. وطلبت المملكة عوناً دفاعياً جوياً من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر. وتتحدث تقارير عن قنوات استخبارية غير معلنة مع إسرائيل تمر عبر القيادة المركزية الأميركية، وعن اجتماع عسكري في ألمانيا جمع قادة إسرائيليين وسعوديين وإماراتيين.
هنا تنشأ الجاذبية القاتلة. من يملك المعلومة الاستخبارية والقبة الجوية والخبرة الميدانية في جنوب اليمن هما إسرائيل والإمارات، وأصوات في واشنطن تدعو الرياض علناً إلى التطبيع والمصالحة مع أبوظبي. ويرد المسؤولون السعوديون بأن المساعدة لن تشتري التطبيع، وبأن طريقه يمر بمسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية. لكن الحروب لا تحترم البيانات. والأرجح ألا يكون هناك حفل توقيع، بل انزلاق تدريجي: معلومات تُمرَّر، ومنظومات تُنشر، وتنسيق يكبر، حتى تجد الرياض نفسها في حلف بلا علم، تطبيعاً من دون توقيع.
ولنفترض أن الحلف قام. هل يحسم؟ جرّبت السعودية القصف الجوي في اليمن منذ 2015، وجرّبته واشنطن في حملة انتهت في مايو 2025 بإعلان النصر، والحوثي اليوم أوسع نفوذاً مما كان. الأرجح أن الحلف الثلاثي لن ينهي الحرب بل يمدّدها. سيحوّل اليمن من حرب أهلية إلى حرب استنزاف إقليمية، تدفع فيها الرياض وأبو ظبي ثمن اعتراض كل مسيّرة بأضعاف ثمنها، وتدفع فيها إيران ثمناً بخساً من مخزون ذراعها، وتجني إسرائيل مكسباً لا يُقدَّر: الجميع منشغلون ببعضهم.
الفتيل في يد من أشعله
يخطئ من يقرأ الحوثي ذراعاً تُحرَّك بزر. للجماعة إيراداتها من الموانئ، وقاعدتها القبلية، وحساباتها في اختيار توقيتها وهدفها. ولذلك تتكرر في البحر الأحمر حسبة هرمز نفسها: تعلن إيران عداءها لإسرائيل وتنفق ذخيرتها على جيرانها، ويعلن الحوثي أن سلاحه لن يمس إلا السفن السعودية. شعار يُرفع في وجه العدو البعيد، وسلاح يُنفَق على الخصم القريب.
وللجماعة سابقة. ففي مايو 2025 توصلت إلى تفاهم مستقل مع واشنطن أوقف هجماتها على السفن الأميركية، وواصلت بعده استهداف إسرائيل إلى أن هدأت جبهة غزة. وتفيد تقارير بأنها أبلغت واشنطن قبل أيام، عبر مسقط، أنها لن تستهدف السفن الإسرائيلية وأن ضرباتها ستقتصر على السعودية. وهي تسعى بوضوح إلى تحويل مكاسبها على الأرض إلى اعتراف سياسي، وإلى أن تصير طرفاً لا غنى عنه في أي ترتيبات لأمن البحر الأحمر.
فماذا لو انتقلت الجماعة من ذراع إيرانية إلى مقاول أمن بحري للغرب؟ لا يبدو الاحتمال بعيداً. واشنطن متعبة، وتريد نفطاً أرخص وممراً هادئاً قبل أن تنشغل بغيره، وقد يكون أسهل عليها أن تتفاهم مع سلطة تمسك الساحل فعلاً من أن تراهن على حليف لا يمسك أرضه. وثمة من يرى أن الجماعة تزداد اندماجاً في المشروع الإيراني، وفي ذلك وجاهة. غير أن جماعة تضع بقاءها فوق كل شعار قد تبيع الورقة نفسها لمن يدفع أكثر. عندها يدرك من أشعل الفتيلة أن النار قد تنقلب في يده، فتفقد طهران أثمن ما تملك في اللحظة التي تحتاجه فيها.
الاعتراض الأقوى
أول ما يُقال في وجه هذه القراءة 3 اعتراضات، الأول أن إسرائيل لا تريد استنزافاً بلا نهاية. فقد ذهبت التقديرات في أسابيع الحرب الأولى إلى أن هدفها إسقاط النظام الإيراني كله، وأن ما يقلقها اتفاق أميركي إيراني يُبقي طهران على الطاولة بلا هزيمة. وقد أصابها 930 صاروخاً ومسيّرة، وهي تعرف أن إيران التي تُترك تتعافى تعود بأسلحة أثقل. الاعتراض وجيه في النية، لكن الرابح لا يحتاج إلى نية، يكفيه أن تكون البنية لصالحه. فإسرائيل تربح من كل مخرج إلا اثنين: اتفاق يُبقي إيران سليمة ويرفع عنها الحصار، أو انهيار حاسم لا تستطيع تحقيقه وحدها. وما بين الاثنين، كل يوم إضافي من الحريق يمنحها مساحة أوسع. وإن أرادت الحسم فسيكون بعد 3 نوفمبر، أي في النافذة نفسها.
والثاني أن ترامب لن يصير بلا قيد. فقد مرّر مجلس النواب 3 مرات قرارات لتقييد صلاحياته في الحرب، آخرها في 15 سبتمبر بأغلبية 220 صوتاً مقابل 204 وانضمام 7 جمهوريين. ومجلس نواب يقوده الديمقراطيون بعد نوفمبر، إن حدث ذلك، يمسك بالميزانية وبالاستدعاءات، فلا يزول القيد بل يتبدل شكله. وهذا صحيح، لكنه صحيح بعد حين. فالقرارات رمزية في معظمها لأن الفيتو حاضر، والكونغرس الحالي يبقى قائماً حتى مطلع يناير قبل أن يؤدي المجلس الجديد اليمين. تلك أسابيع تقع بين خوف الرئيس من الناخب وقبضة الكونغرس الجديد على الميزانية، وهي أخطر ما في الروزنامة.
والثالث أن الحوثي ليس دمية، وأن الرياض شاركت في إشعال الفتيل حين ضُرب في يوليو مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وهي ضربة نسبها الحوثيون إليها، وأن تحالفها على الأرض أجوف. وهذا صحيح كله، ولذلك لا تحمل إيران وحدها وزر الساحة اليمنية. لكن حتى الحوثي المستقل يقرأ الفرصة التي تتيحها له حرب إيران، وحتى الرياض المخطئة تدفع أكثر مما أخطأت.
ويبقى احتمال أخير: أن يفضّل ترامب الصفقة قبل الانتخاب. فقد مدّد مهلته أكثر من مرة، وقال إنه ليس في عجلة، ويخشى سعر الوقود. هذا احتمال قائم، ولذلك لا يُقدَّم ما يلي قدراً محتوماً، بل الأرجح.
الطريق إلى المواجهة التالية
السيناريو الأرجح يمر بمحطتين. قبل 3 نوفمبر يسود جمود مضبوط: تُبقي طهران سقفها عالياً، ويواصل الحوثيون قضم الساحل ويتطلعون إلى مأرب والشرق النفطي، وتدور الوساطات القطرية والباكستانية والعُمانية في حلقة بلا ثمر.
وبعد 3 نوفمبر تُفتح نافذة الخطر. يتحرر ترامب من حسابات الاقتراع، ويبقى الكونغرس الحالي في مكانه حتى مطلع يناير، وتُطرح خيارات ضرب البنية النفطية والعسكرية الإيرانية وموانئ الحوثيين ومصادر تسليحهم. وقد يقع ثقل الجبهة اليمنية على غير الأميركيين، فترامب لم يبدُ يوماً متحمساً لحرب طويلة مع الحوثيين. وسيأتي الرد من الخاصرة الأضعف دائماً: منشآت النفط والمطارات والموانئ في الخليج. عندها ينتقل هذا الحلف من الظل إلى العلن، وتتحول الحرب من مواجهة بين إيران وأميركا إلى مستنقع مفتوح حول البحر الأحمر، تُنجز إسرائيل في ظله في الضفة وغزة ما لا تستطيع إنجازه في زمن الانتباه.
وإن كان لكل هذا الغبار غاية، فالأرجح أنها يمنٌ بلا وحدة. لا يحتاج الأمر إلى غرفة عمليات، تكفي وقائع تتراكم واحدة بعد أخرى. ولن يكون مستغرباً أن ينتهي المسار إلى خريطة تشبه ما قبل 22 مايو 1990: شمال يمسكه الحوثي في صنعاء وعلى ساحل البحر الأحمر، وجنوب يشرف على خليج عدن تحرسه الإمارات وتتكئ عليه إسرائيل في تأمين الجناح الجنوبي للمضيق. وفي خريطة كهذه يجد الحوثي اعترافاً عملياً بأمر واقعه، ولو جاء عبر تفاهم مع واشنطن لا مع الرياض، وتجد أبوظبي وتل أبيب حزاماً بحرياً، وتخسر الرياض ما دافعت عنه منذ 2015: يمناً واحداً على حدودها الجنوبية. والرياض تريد اليمن موحداً، فإن جاء التقسيم كان الخط الذي ينكسر عنده أي حلف ينسجه الخوف بينها وبين أبوظبي وتل أبيب.
ويبقى استثناء واحد: أن تسبق الصفقةُ الانتخابَ. ترامب يريد وقوداً أرخص، وطهران تعرف كلفة الحرب الحاسمة التي تلوّح بها، والوسطاء يتحركون. لكن كل ما بين يدي الطرفين اليوم يقول إن الوقت يعمل ضد الصفقة لا معها.
علامات على الطريق
5 علامات تكشف الاتجاه قبل أن تعلنه البيانات. في 27 أكتوبر تُقرأ الانتخابات الإسرائيلية من زاوية واحدة: هل يعود ائتلاف أكثر تشدداً فيتسارع الضم والاستعداد لجولة جديدة، أم تظهر حكومة تميل إلى تفاهم مع واشنطن؟ وفي 3 نوفمبر لا يهم عدد المقاعد بقدر ما يهم أول تصريح لترامب عن إيران في الصباح التالي، أهو لغة صفقة أم لغة ضربة، وما مصير قرارات تقييد الحرب في الكونغرس القديم. وفي مأرب، إن سقطت، صار الحوثي سيد شرق اليمن النفطي والغازي، وانتقل الحديث عن التقسيم من التوقع إلى الترتيب. وفي خط الأنابيب السعودي، إن أُعيد فتحه واستأنف نقل ملايين البراميل فقد استعادت الرياض ورقة الالتفاف، وإن بقي مغلقاً والبرميل فوق 100 دولار فالضغط على واشنطن يتضاعف. وعلى الضفة الأفريقية من المضيق، إن تحولت التقارير عن حضور إسرائيلي إماراتي إلى قاعدة معلنة أو إلى اعتراف من دولة ثانية، فقد دخل باب المندب مرحلة التدويل، وقد حذّر زعيم الحوثيين من أن أي وجود إسرائيلي هناك سيصير هدفاً.
كيف يُطفأ الحريق
أول ما يُطفئه أن يُنزع فتيل الحوثي من يد إيران، وهذا لا يتم في صنعاء بل في طهران. فما من طرف آخر يملك عليها ما تملكه طهران من نفوذ، وإن لم يكن نفوذاً مطلقاً. والطريق إلى باب المندب يمر عبر هرمز: صفقة تفتح المضيق وتخفف الحصار وتفرج تدريجياً عن الأموال، مقابل ضمانات ملاحية شاملة تمتد إلى البحر الأحمر.
وعلى طهران أن تفصل بين ما تحتاجه وما تريده. تحتاج إلى رفع الحصار والأموال، وتريد شروطاً تحفظ ماء الوجه. ومن يجلس إلى الطاولة طالباً كل شيء لا يخرج بشيء. والمخرج تسلسل خطوات متبادلة ومتزامنة بدل الشروط المسبقة.
وعلى الخليج أن يفاوض إيران مباشرة بدل أن يبقى ساحةً تُدار الحرب فيها بالنيابة. ويذهب خبراء إلى أن الحل لن يأتي من واشنطن بل من تفاهم خليجي إيراني. ومن سقط عليه 83% من الصواريخ أولى بمقعد على الطاولة من غيره.
وعلى الرياض ألا تدفع ثمن الخوف بعملة فلسطين. فالاستنجاد بإسرائيل ينتهي بتطبيع بشروطها وفي توقيتها، والمحور الموازي مع أنقرة وإسلام آباد والقاهرة والدوحة، على بطئه ونقصه، أسلم من تسليم الأمن لمن يربح بخسارتك. وفي اليمن لا بد من تسوية سياسية تجمع الحكومة والحوثيين على خارطة تشمل الحديدة ومطار صنعاء والرواتب، وتقطع الطريق على تقسيم يُفرض بالأمر الواقع. ولا بد أن تسبق هذه التسوية أي تفاهم حوثي أميركي منفرد، وإلا وجدت الرياض نفسها تفاوض على ما بيع قبل أن تصل إلى الطاولة، لأن مطلب الاعتراف السياسي لن يُنتزع بالسلاح ولن يُسحق به.
وعلى العرب أن يرفعوا كلفة الانفراد بفلسطين. يقتضي ذلك ألا يكون مسار لا رجعة فيه نحو دولة فلسطينية ثمناً للتعاون العلني فحسب، بل شرطاً ثابتاً، وأن يتحركوا مع الدول الأوروبية التي بدأت تقييد منتجات المستوطنات. فالنافذة التي تستغلها إسرائيل ليست مفتوحة إلى الأبد.
وعلى واشنطن أن تعترف بأن اليمن ليس ملفاً مستقلاً. مبعوث خاص لليمن، وقناة مفتوحة مع طهران، وعودة إلى فكرة نسيها الجميع: أن الحرب لا تُنهى بالقصف وحده.
في تراثنا حربٌ قامت على سباق فرسين، فأكلت من أعمار قبيلتين عقوداً، ولم تُبقِ لهما إلا الحكايات. والمنطقة اليوم تعيد كتابة القصة بأدوات أغلى: مسيّرات بدل الرماح، ومضائق بدل الآبار. لكن القاعدة لم تتغير: من يشعل الحريق ليس بالضرورة من يدفئ يديه عليه.
