منذ الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة مشتركة استهدفت القيادة الإيرانية وأودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي، دخل الشرق الأوسط في دوامة حربٍ لم تنته فصولها بعد. لم تكن تلك الضربة حدثاً عابراً يمكن احتواؤه في حدود إيران وحدها، بل كانت الشرارة التي أعادت ترتيب موازين القوى في المنطقة بأكملها، من مضيق هرمز شرقاً إلى مضيق باب المندب غرباً. وما يجري اليوم في اليمن ليس بمعزل عن هذا السياق الأوسع.
ما بدأته واشنطن وتل أبيب تحت غطاء "منع إيران من امتلاك السلاح النووي" تحول، خلال ستة أشهر، إلى حربٍ إقليمية متعددة الجبهات: إغلاق إيران لمضيق هرمز، ثم حصار بحري أميركي مضاد، ثم مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب سرعان ما انهارت في الثامن من تموز/يوليو، لتعود المواجهة من بوابة جديدة كلياً.
جذور الأزمة: من صنعاء 2014 إلى هدنة 2022 الهشة
لفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى نقطة الانطلاق. سيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014 بدعم من قوات موالية للرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح، وهو ما دفع الرياض، مطلع عام 2015، إلى قيادة تحالف عربي عسكري تحت مسمى "عاصفة الحزم" لإعادة الشرعية اليمنية. منذ تلك اللحظة تحول اليمن إلى ساحة استنزاف مفتوحة بين محور تقوده السعودية والإمارات من جهة، وحركة تتلقى دعماً إيرانياً متصاعداً في السلاح والتمويل والخبرة العسكرية من جهة أخرى. الحرب راوحت بين تصعيد ومفاوضات لسنوات طويلة، إلى أن أفضت إلى هدنة هشة برعاية أممية عام 2022 خفضت وتيرة القتال، لكنها لم تُنتج تسوية سياسية حقيقية ولم تفكك الترسانة العسكرية التي بناها الحوثيون طوال تلك السنوات.
وهذه نقطة جوهرية يغفل عنها كثيرون: الهدنة لم توقف تدفق السلاح، بل استمر الحوثيون، بمساعدة إيرانية وشبكات تهريب عابرة لست عشرة دولة على الأقل بحسب تحقيقات منظمات رصد التسلح، في تطوير قدرات صاروخية ومسيرة متقدمة تحولهم تدريجياً من ميليشيا محلية إلى قوة شبه نظامية تضاهي في تسليحها جيوش دول متوسطة الحجم.
الحرب الإيرانية 2026 وحسابات صنعاء الأولى: لماذا لم يتحرك الحوثيون فوراً؟
هنا تكمن إحدى أكثر نقاط هذه الأزمة إثارة للجدل، تكشف منطق الحوثيين الحقيقي أكثر مما تكشفه شعارات "محور المقاومة". فحين اندلعت الحرب في نهاية شباط/فبراير، لم يندفع الحوثيون فوراً لنجدة طهران، رغم الضغط الذي مارسته عليهم إيران وحزب الله، المنخرط بدوره في حربه الخاصة مع إسرائيل في لبنان. بل إن تقارير عديدة تحدثت عن انقسام داخلي حاد داخل قيادة الجماعة بين تيار متشدد يريد الانخراط الفوري لتثبيت موقع الحوثيين في "محور المقاومة"، وتيار آخر أكثر حذراً يخشى جر اليمن إلى موجة انتقام أميركي إسرائيلي مباشرة، في وقت لا تزال فيه مناطق سيطرة الحركة تعاني من الدمار المتراكم منذ سنوات.
الحسابات الحوثية في تلك اللحظة كانت عملية أكثر مما هي عقائدية: الحركة تدرك أن سقوط النظام الإيراني، أو حتى إضعافه بشكل جذري، يعني تجفيف مصدر تسليحها الرئيسي، وبالتالي فقدان الورقة التي حولتها من ميليشيا محاصرة إلى لاعب إقليمي. لذلك اكتفت في الأسابيع الأولى بالتصريحات المساندة لطهران والتلويح بالتدخل إذا اتسع نطاق الحرب أو استُخدم البحر الأحمر منصة للهجوم على إيران، بينما حافظت عملياً على "التهدئة" التي تربطها بالرياض منذ الهدنة. لم يكسر الحوثيون هذا الصمت الحذر فعلياً إلا في 28 آذار/مارس، حين أطلقوا أول صاروخ باتجاه إسرائيل، معلنين دخولهم الحرب رسمياً، لكن ضد إسرائيل تحديداً، وليس ضد السعودية بعد.
من صواريخ إسرائيل إلى حصار السعودية: نقطة التحول في تموز
التحول الحقيقي في مسار هذه الجبهة جاء في الثالث عشر من تموز/يوليو، حين اندلع خلاف حول تصريح لطائرة إيرانية مدنية بالهبوط في مطار صنعاء رفضته الرياض، وهو ما استخدمه الحوثيون ذريعة لاستئناف هجماتهم على السعودية مباشرة، مستهدفين منشآت تابعة لشركة أرامكو، وسفناً متجهة إلى الموانئ السعودية، ومعلنين ما وصفوه بـ"الحصار البحري" على المملكة عبر باب المندب. ومنذ تلك اللحظة انزلق اليمن مجدداً نحو حربٍ شاملة، مع انهيار عملي للهدنة التي صمدت أربع سنوات. الأهم من التوقيت هو الدافع: فما جرى لم يكن مجرد "فتح جبهة لإيران" بقدر ما كان، إعادة فتح الحوثيين لجبهتهم الخاصة مستغلين انشغال الرياض وواشنطن بالحرب الإيرانية الأوسع. فالحركة تواجه أزمة اقتصادية وإنسانية متفاقمة في مناطق سيطرتها، وأصواتاً داخلية متزايدة تنتقد سوء إدارتها، ما يمنحها حافزاً إضافياً لتصعيدٍ خارجي يُعيد تصويرها أمام حاضنتها الشعبية "كقوة مواجهة" بدل الغرق في مساءلة داخلية عن فشل الحكم. بعبارة أخرى التصعيد ضد السعودية خدم إيران استراتيجياً، لكنه خدم الحوثيين محلياً بالقدر نفسه، وهذا ما يجعل قراءة الأزمة بوصفها "حرباً إيرانية بالوكالة".
السيطرة على باب المندب: تكرار سيناريو هرمز
منذ منتصف آب/أغسطس، بدأت مؤشرات النية الحوثية "بتحويل باب المندب إلى نسخة من مضيق هرمز" بالظهور علناً في تصريحات قادة ميدانيين في الحركة. وتحقق ذلك فعلياً خلال الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر الجاري، حين شنت قوات الحوثي هجوماً واسعاً أدى إلى اجتياح مدينة ومرفأ المخا الاستراتيجيين على البحر الأحمر بعد أيام من الاشتباكات مع قوات "العمالقة" و"درع الوطن" الموالية للحكومة الشرعية، التي اضطرت للانسحاب جنوباً. وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، أعلن مسؤولون يمنيون سيطرة الحوثيين على جزيرة "ميون" (بريم) التي تتوسط المضيق، وعلى آخر الجزر التي كانت لا تزال خارج سيطرتهم، لتكتمل بذلك السيطرة الحوثية على كامل الساحل الغربي المطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
الأثر كان فورياً وملموساً حيث تراجعت حركة الملاحة عبر باب المندب إلى أقل من نصف معدلها اليومي خلال أيام قليلة بحسب بيانات شركات رصد الشحن البحري، فيما تعرض مرفأ المخا لضربات صاروخية سعودية مضادة استهدفت مطاره. وقد وصف باحثون متخصصون هذا المسار بأنه محاولة إيرانية حوثية واعية لتكرار النموذج الذي طبقته طهران في هرمز من حيث السيطرة الجغرافية على أحد طرفي ممر مائي حيوي كأداة ابتزاز جيوسياسي يمكن تفعيلها أو تجميدها بحسب مسار المفاوضات الأوسع مع واشنطن. فحين اشترط مسؤولون إيرانيون أن يكون رفع الحصار عن اليمن بمعنى وقف القيود السعودية على مناطق الحوثيين وصنعاء جزءاً من أي تسوية مع الأميركيين، بدا جلياً أن باب المندب لم يعد قضية يمنية داخلية، بل بات ورقة تفاوضية إيرانية بامتياز.
عقيدة الحفاة: كيف هندس الفقر نصر الحوثي؟
من الناحية العسكرية البحتة، لا يمكن فهم قدرة الحوثيين على تحقيق هذه المكاسب السريعة من دون فهم التحول الجذري في ترسانتهم خلال السنوات الأخيرة. فالجماعة التي بدأت عام 2014 بصواريخ سوفييتية بالية اقتنصتها من مخازن الجيش اليمني، تمتلك اليوم بحسب تحقيقات منظمات متخصصة في رصد التسلح غير المشروع ما لا يقل عن عشرة أنواع مختلفة من الصواريخ الباليستية والمضادة للسفن، إضافة إلى منظومات دفاع جوي ومسيرات وأسلحة بحرية متعددة، رُصد بعضها في عمليات اعتراض بحرية كشفت عن أكثر من ثمانمئة قطعة تصنيع ومئات الأطنان من الذخائر، أغلبها لم تُصنَع في إيران مباشرة بل وصلت كعبوات تجميع ذاتي مشفرة تحمل رموزاً وتعليمات تصنيع محلي، ما يدل على درجة عالية من التخطيط اللوجستي وشبكات إمداد عابرة للحدود يصعب رصدها.
ومن أبرز عائلات المسيرات المستخدمة طراز "صمّاد" بنسخه المختلفة، ذات المدى الذي يتجاوز في بعض الإصدارات ألفي كيلومتر، وهو تصميم شديد الشبه بمسيرات "شاهد" الإيرانية، إضافة إلى مسيرات "وعيد" وزوارق بحرية مسيرة مفخخة تُستخدم كقذائف انتحارية ضد السفن التجارية والعسكرية، وألغام بحرية تُزرع قرب الممرات الضيقة لتعطيل الملاحة من دون الحاجة إلى استهداف مباشر لكل سفينة. الأهم من نوعية هذا السلاح هو كلفته الزهيدة: بعض هذه المسيرات لا تتجاوز كلفة تصنيعها ألفاً وخمسمئة دولار، وهو ما يمنح الحوثيين قدرة على شن هجمات "استنزاف" متكررة يصعب على الدفاعات الجوية التقليدية، المصممة أصلاً لاعتراض تهديدات أكبر وأغلى بكثير، مجاراتها اقتصادياً على المدى الطويل. هذه المعادلة (سلاح رخيص يستنزف دفاعات باهظة) هي جوهر ما يمكن تسميته "حرب اللامركزية التكنولوجية" التي أعادت تعريف موازين القوة في البحر الأحمر، وجعلت التفوق الجوي التقليدي للتحالف السعودي أقل حسماً مما كان عليه في السنوات الأولى للحرب اليمنية.
على الأرض، اعتمد الحوثيون في معركة الساحل الغربي على تكتيك مألوف في أدبيات حروب العصابات الحديثة وهي تفادي المواجهة المباشرة في المناطق السهلية المفتوحة حيث يملك خصمهم تفوقاً في الحركة والتغطية الجوية، مقابل استنزافه عبر الكمائن وقطع خطوط الإمداد في التضاريس الجبلية والساحلية الوعرة، ثم التركيز على نقاط الاختناق اللوجستية (كموانئ المخا والسواحل الضيقة) لعزل القوات المتقدمة عن مؤخرتها. وهو ما أطلقت عليه سابقاً "تكتيك الصعاليك"وهذا ما يفسر جزئياً الانهيار السريع نسبياً لخطوط الدفاع الحكومية، والذي يعزوه محللون عسكريون أيضاً إلى انقسامات داخلية بين الفصائل الموالية للشرعية وتنافسها على النفوذ، أكثر مما هو مجرد تفوق ميداني حوثي صرف.
خط أنابيب الشرق - الغرب والبصمة العراقية
في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، أُعلن عن هجوم بطائرات مسيرة استهدف محطات ضخ تابعة لخط أنابيب "الشرق - الغرب" السعودي في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، ما أدى إلى إصابات وأضرار مادية ودفع السلطات السعودية إلى إيقاف الخط احتياطياً. وهذا الخط ليس عابراً بل هو الشريان البديل الذي تعتمد عليه الرياض لنقل نفطها من حقول الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر تفادياً لمضيق هرمز المحاصر أصلاً منذ بداية الحرب الإيرانية، ما يعني أن أي ضربة له لا تهدد فقط عائدات النفط السعودية، بل تهدد إحدى آخر الشرايين المتبقية لتصدير الطاقة الخليجية بمعزل عن أزمتي هرمز وباب المندب معاً.
ما هو أشد ضرراً من ذلك أن التحقيقات الأولية أكدت أن هذه المسيرات انطلقت من أراضٍ عراقية، تحديداً من محافظة ميسان جنوبي البلاد، وهو ما دفع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى إصدار قرار سريع بإقالة قائد عمليات ميسان، ثم إقالة مدير شرطة المحافظة، وتشكيل مجلس تحقيقي خاص، إضافة إلى إغلاق مؤقت لمنفذ الشلامچة الحدودي مع إيران، في مسعى لاحتواء الأزمة دبلوماسياً قبل أن تتحول إلى مواجهة مباشرة مع الرياض. ولا بد من التوقف هنا عند الموقف السعودي نفسه، الذي اختار على غير عادته في ملفات مشابهة سابقة ضبط النفس والامتناع عن أي رد عسكري في هذه المرحلة، تلبيةً لطلب صريح من رئيس الوزراء العراقي منحَ بغداد مساحة زمنية لضبط الوضع ومحاسبة المسؤولين، مع تأكيد الرياض في الوقت ذاته على "حقها السيادي الكامل" في الدفاع عن أراضيها ومنشآتها إذا تكرر الأمر.
هذا الحادث، يختصر مأزق العراق البنيوي في هذه المرحلة كلها كبلد تتقاسم أرضه فصائل مسلحة موالية لإيران ودولة رسمية تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع محيطها الخليجي، فإذا بجزءٍ من أراضيه يتحول (بعلم الدولة أو من دونه) إلى منصة إطلاق ضمن حربٍ إقليمية لا ناقة للعراق فيها ولا جمل. والخطر هنا لا يقتصر على الإحراج الدبلوماسي، بل يمتد إلى احتمال أن يتحول العراق نفسه، في أي تصعيد لاحق، من "طرف حذر" إلى "ساحة مواجهة" فعلية إذا فقدت بغداد قدرتها على ضبط السلاح غير النظامي المنتشر في جنوبها، تماماً كما فقد لبنان قدرته على ضبط الحدود مع حزب الله سابقاً. القرارات السريعة التي اتخذها رئيس الوزراء العراقي، على أهميتها الرمزية والإجرائية، تظل اختباراً غير مكتمل لسيادة الدولة العراقية على قرار الحرب والسلم داخل حدودها، وهو اختبار سيتكرر ما دامت الحرب الإقليمية مستمرة على أبواب العراق من جهتي إيران والخليج معاً.
واشنطن بين حليفٍ يستغيث وحربٍ لا تريد توسيعها
أما على الجانب الأميركي، فقد بدا الارتباك جلياً خلال الأيام الأخيرة. فبحسب تقارير متطابقة من عدة وكالات، اتصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس دونالد ترامب مرتين خلال يوم واحد، طالباً في الاتصال الثاني توجيه ضربات أميركية مباشرة ضد الحوثيين بعد سيطرتهم على المخا. لكن ترامب رفض الطلب، مكتفياً بوعد بتزويد الرياض بمعلومات استخبارية وبيانات استهداف، فيما أوضح مسؤولون أميركيون أن توجيهات الرئيس الصريحة لقادتهم العسكريين والمدنيين هي إبقاء التركيز الأميركي على إيران وحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز، وتفادي فتح جبهة عسكرية جديدة مباشرة، مع وجود نحو مئتي مستشار عسكري أميركي في السعودية يقدمون دعماً "غير قتالي". هذا الرفض ليس مفاجئاً إذا وُضع في سياقه الأوسع: فالإدارة الأميركية غارقة أصلاً في حربٍ مفتوحة مع إيران منذ ستة أشهر، بتكلفة مالية وسياسية متصاعدة، وسط حديث متكرر عن استنزاف مالي وعسكري بدأ يقلق حتى المؤيدين للسياسة الخارجية المتشددة تجاه طهران. وفتح جبهة يمنية مباشرة يعني، عملياً، مضاعفة الالتزام الأميركي في قتالٍ لم تنتصر فيه واشنطن حتى الآن على جبهته الأولى، ناهيك عن أن الإدارات الأميركية المتعاقبة (بغض النظر عن انتمائها الحزبي) فشلت تاريخياً في حسم الملف اليمني عسكرياً، وهو درس يبدو أن البيت الأبيض استوعبه هذه المرة، ولو بثمن إحراج حليفه السعودي علناً. ويضاف إلى ذلك أن باكستان وتركيا، الشريكتين مع الرياض في "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" الموقعة الشهر الماضي والتي تعتبر أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، اختارتا حتى الآن لغة التصريحات لا التحرك: إسلام آباد أعلنت صراحة أنه "لا نقاش حالياً" بشأن رد عسكري، وأنها "ستتحرك حين يحين وقتها"، وهو تحفظ يكشف هشاشة التحالفات الإقليمية الجديدة أمام أول اختبار فعلي لها.
