تكشف أوقات الحروب عن تصادع حقيقي بين المصلحة الوطنية وأبجديات المهنة الصحفية، فالمعايير المهنية التي تُحتّم الحياد والنزاهة سرعان ما تتحول، في خضم الصراع، إلى ما يُوصَم بالخيانة الوطنية في نظر الرأي العام. ووفق بعض نظريات الحرب الحديثة، فإن المعارك لا تُحسم فقط على الأرض، بل تُكسب أو تُخسر في عقول الناس، عبر تشكيل صورة معينة عن الجندي القتيل، بدلًا من مواجهة السؤال الجوهري: لماذا اندلعت الحرب أصلًا؟ ولعل حرب فيتنام تُجسّد هذا المعنى بوضوح؛ فقد ألحقت وزارة الدفاع الأمريكية حينها دمارًا هائلاً بخصمها، لكنها لم تحقق الغالبية من أهدافها العسكرية، إلا أن الخسارة الحقيقية كانت إعلامية بامتياز. فقد ترسخت في وعي المواطن الأمريكي قناعة بأحقية الشعب الفيتنامي في الدفاع عن أرضه ضد الغزو، وهي قناعة عززها الأثر النفسي العميق الذي خلّفته الحرب لدى أغلب الجنود المشاركين فيها، بعدما قُدّمت الحرب لاحقًا كرواية طويلة تكشف الجرائم التي ارتكبتها القوات الأمريكية هناك. ويبدو أن واشنطن استوعبت هذا الدرس جيدًا، فحاولت عبر أدواتها الاستخباراتية تفادي تكراره قدر الإمكان قبيل غزو العراق. وهذا بالتحديد ما يفسر لماذا تعرضت بعض وسائل الإعلام الأمريكية المهنية ولو قليلاً لتهمة "الخيانة" كلما حاولت تقديم صورة منصفة عن المقاومة العراقية المُتمثلة بجيش المهدي بقيادة مقتدى الصدر، الذي تمكّن رغم بساطة عتاده من تحقيق انتصارات لافتة على الجيش الأمريكي، المصدر الأكبر للتكنولوجيا العسكرية الحديثة وميدان اختبارها. فبينما نجحت هذه التكنولوجيا على مستوى العراق ككل، فشلت في تحييد مقتدى الصدر وأتباعه. وحتى اليوم، لا يزال الدعم الشعبي الأمريكي لفيتنام يُختزل كنكسة تاريخية موازية لمحرقة الهولوكوست بنكهة آسيوية، في حين يتلاشى هذا الصدى تدريجيًا كلما اقتربنا من الجرائم التي اقتُرفت في العراق، وعلى وجه الخصوص من انتصار المقاومة العراقية المتمثلة بجيش الامام المهدي. وهذا التفاوت في الذاكرة الجمعية هو بالضبط ما يستحث أن نختزله باسم "سرديات الحرب النمطية". فوسائل الإعلام لا تكتفي بنقل المعلومة كما هي، بل تُعيد صياغتها وتشكيلها وفق أجندات تتبناها مسبقًا، وتعمل من خلالها على تحوير الواقع نفسه عبر آليات انتقاء السرديات، وتأطير الخبر، ومعالجته بطرق متباينة تخدم غاية بعينها. وتسهم هذه الآليات في إعادة تشكيل وعي الجمهور وتوجيه ميوله النفسية دون أن يدرك ذلك. فالسردية الإعلامية تعمل على تكريس تمايز بين جماعات أو كيانات معينة وتفضيلها على غيرها، أو إلصاق وصف عام مغاير بأعداء هذه الكيانات؛ إذ يُختزل الخصم في صورة نمطية جامدة تفتقر إلى أي عمق فكري أو حقيقي، ويُختصر برموز تجرّده من إنسانيته، وتُحاط به مصطلحات تُصوّره كخطر يهدد المجتمع الغربي عمومًا وإسرائيل خصوصًا، ولعل أبرز أدوات هذه المنظومة وأكثرها مكرًا أداةُ إعادة التسمية؛ تلك الآلية التي أعادت تشكيل الخريطة الذهنية للمتلقي الغربي عبر اختزال منطقة بأسرها في تسمية "الشرق الأوسط" المُحمّلة بإيحاءات الهامشية والبُعد، ووصف دول بأسرها بـ"العالم الثالث" تأكيدًا لدونيتها، وإلصاق صفة "الإرهاب" بكل ما يمتّ إلى الإسلام بصلة، فضلًا عن ترسيخ صورة بدائية لسكان المنطقة تُقيّدهم في صحاري موحشة وتُركبهم الجمال، وكأن هذه الشعوب لم تكن يومًا شريكة في بناء الحضارة الإنسانية. وفي المقابل، تُضفى هالة أخلاقية على الكيانات التي تساندها السياسات الغربية، وهو ما يفتح الباب أمام تبرير عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها الغرب تاريخيًا، وترتكبها إسرائيل وأتباعها من اللوبي الصهيوني الأمريكي في الوقت الراهن. فقد عملت هذه الأطراف على صياغة التصور الإنساني العالمي طوال عقود، عبر فرض قواعد اشتباك ومنظومة أخلاقية مُفصّلة وفق مصالحها، واستمر هذا الحال دون انقطاع حتى السابع من أكتوبر 2023. ومنذ ذلك التاريخ، تبدّلت النظرة العالمية لإسرائيل لتتحول إلى فضيحة تاريخية تطال ما كانت تدّعيه أمام الغرب، بعدما انكشف زيف سرديتها الدينية على يد جيل من المراهقين عبر منصة "تيك توك"، الذين أعادوا تتبع تاريخ الصهيونية ورسم خرائط جرائمها المتراكمة عبر العقود، إلى أن تحوّلت مقولة "وعدنا الله بها قبل ثلاثة آلاف عام" إلى مادة للسخرية والتهكم لديهم. وقد كشف هذا المناخ المتبدل أيضًا حجم الانصياع السائد بين أوساط صنّاع القرار في واشنطن، وهو ما تجلّى بوضوح عقب الحرب الأخيرة التي جمعت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتشبّث إسرائيل بقرارات نتنياهو المتهورة التي تعكس جوهر الصهيونية بوصفها سلوكًا وممارسة. ففي خضم محاولات ترامب لوقف الحرب أو احتوائها، فاجأ الرئيس الأميركي العالم بتصريح قال فيه إنه لولاه لكانت إسرائيل قد سُحقت، ثم أردف بأن على واشنطن أن تُبقي نتنياهو متزنًا إلى حد ما.

نهاية جيل البومرز

جيل "طفرة المواليد" (Baby Boomers)، أي مواليد الفترة الممتدة بين 1946 و1964، وهو الجيل الذي تشكّل وعيه السياسي في أجواء حرب الأيام الستة عام 1967، وحرب أكتوبر عام 1973، والتحالف الاستراتيجي الوثيق الذي جمع واشنطن وتل أبيب طوال سنوات الحرب الباردة. فقد ترسخت صورة إسرائيل لدى هذا الجيل، عبر الإعلام والسينما والخطاب السياسي الأميركي، بوصفها دولة ديمقراطية صغيرة ذات تاريخ ديني يمتد لثلاثة آلاف عام تحاصرها جيوش عربية شمولية كبيرة تشابه النازية بأفكارها تنوي هولوكوستاً آخر. ومع انحسار هذا الجيل تدريجيًا، تخبو معه الذاكرة العاطفية والتاريخية التي طالما غذّت هذه السردية، فيما يميل جيل الشباب الصاعد إلى نظرة أكثر نقدًا تجاه إسرائيل بسبب اكتوبر 2023 وما فعلته إسرائيل في غزة، وهو ما يضاف إلى عوامل أخرى كنفوذ نتنياهو المتزايد على ترامب، والإفراط في توظيف اتهامات معاداة السامية ضد منتقدي إسرائيل وربطها مع ملفات ابستين والعوائل الحاكمة، لتسريع وتيرة هذا التراجع. وهذا ما يقودنا إلى أن العلاقة الأميركية الإسرائيلية تشهد تحولًا تتضح ملامحه أكثر فأكثر، إذ كشف استطلاع لمركز "بيو" أن قرابة 60% من الأميركيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بعين سلبية، وترتفع هذه النسبة بشكل لافت بين فئة الشباب من سن 18 إلى 29 عامًا، حيث أظهر استطلاع لشبكة "إن بي سي" أن 75% منهم يميلون بتعاطفهم نحو الفلسطينيين أكثر من ميلهم نحو الإسرائيليين. وفي السياق نفسه، يأتي موقف نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس ليؤكد هذا المنحى المتغير في طبيعة العلاقة، إذ يقول بوضوح إن ترامب هو الرئيس الوحيد بين زعماء العالم المتعاطف فعليًا مع إسرائيل في هذه المرحلة، وأنه يتولى قيادة القوة العظمى الأولى عالميًا. وتحمل هذه الصياغة تذكيرًا صريحًا بحجم اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة، إذ تضع العلاقة بين الطرفين ضمن إطار غير متكافئ بطبيعته: فواشنطن هي التي توفر الحماية والتمويل والدعم، وعلى تل أبيب ألا تتعامل مع هذا الدعم وكأنه التزام مفتوح بلا حدود أو شروط. وعلى حد تعبير أحد الخبراء الإسرائيليين، فإن جاي دي فانس لا يمثل فقط نموذجًا لـ"الجمهوري الجديد"، بل هو في الحقيقة الصورة المُقبلة للأميركي الجديد في العقود القادمة وهو ما يدعو إلى التفاؤل حين نستشرف المشهد الانتخابي المقبل، إذ يُرجح أن يُعيد ضغط الجيل الشاب إعادةَ رسم أولويات الحملات الانتخابية، لتنتقل من مناكفات الهجرة والضرائب إلى سؤال أكثر حدةً وحسمًا: من لا يدعم إسرائيل؟ وهو السؤال الذي قد يتحول إلى ورقة رابحة يتسابق المرشحون على استثمارها، من مقاعد مجلس الشيوخ وصولًا إلى الرئاسة، أملًا في استقطاب أكبر رصيد ممكن من أصوات الشباب.